محمد بن جرير الطبري

102

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

الحرث ، قال : ثنا عبد العزيز ، قال : ثنا سفيان ، عن الأَعمش ، عن مجاهد ، قال : السلطان في الأَرض . وهذه الأَقوال كلها متقاربات المعاني ، وذلك أن الملك سلطان ، والطاعة ملك ؛ غير أن معنى الكبرياء هو ما ثبت في كلام العرب ، ثم يكون ذلك عظمة بملك وسلطان وغير ذلك . وقوله : وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ يقول : وما نحن لكما يا موسى وهارون بمؤمنين ، يعني بمقرين بأنكما رسولان أرسلتما إلينا . القول في تأويل قوله تعالى : وَقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ يقول تعالى ذكره : وقال فرعون لقومه : ائتوني بكل من يسحر من السحرة ، عليم بالسحر . فلما جاء السحرة فرعون ، قال موسى : ألقوا ما أنتم ملقون من حبالكم وعصيكم وفي الكلام محذوف قد ترك ، وهو : فأتوه بالسحرة فلما جاء السحرة ؛ ولكن اكتفى بدلالة قوله : فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ على ذلك ، فترك ذكره . وكذلك بعد قوله : أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ محذوف أيضا قد ترك ذكره ، وهو : " فألقوا حبالهم وعصيهم ، فلما ألقوا قال موسى " ؛ ولكن اكتفى بدلالة ما ظهر من الكلام عليه ، فترك ذكره . القول في تأويل قوله تعالى : فَلَمَّا أَلْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ يقول تعالى ذكره : فَلَمَّا أَلْقَوْا ما هم ملقوه قالَ لهم مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء الحجاز والعراق ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ على وجه الخبر من موسى عن الذي جاءت به سحرة فرعون أنه سحر كأن معنى الكلام على تأويلهم ، قال موسى : الذي جئتم به أيها السحرة هو السحر . وقرأ ذلك مجاهد وبعض المدنيين البصريين : " ما جئتم به السحر " على وجه الاستفهام من موسى إلى السحرة عما جاءوا به ، أسحر هو أم غيره ؟ وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأه على وجه الخبر لا على الاستفهام ، لأَن موسى صلوات الله وسلامه عليه لم يكن شاكا فيما جاءت به السحرة أنه سحر لا حقيقة له فيحتاج إلى استخبار السحرة عنه أي هو ، وأخرى أنه صلوات الله عليه قد كان على علم من السحرة ، إنما جاء بهم فرعون ليغالبوه على ما كان جاءهم به من الحق الذي كان الله آتاه ، فلم يكن يذهب عليه أنهم لم يكونوا يصدقونه في الخبر عما جاءوا به من الباطل ، فيستخبرهم أو يستجيز استخبارهم عنه ؛ ولكنه صلوات الله عليه أعلمهم انه عالم ببطول ما جاءوا به من ذلك بالحق الذي أتاه ومبطل كيدهم بجده ، وهذه أولى بصفة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأَخرى . فإن قال قائل : فما وجه دخول الأَلف واللام في السحر إن كان الأَمر على ما وصفت وأنت تعلم أن كلام العرب في نظير هذا أن يقولوا : ما جاءني به عمرو درهم ، والذي أعطاني أخوك دينار ، ولا يكادون أن يقولوا الذي أعطاني أخوك الدرهم ، وما جاءني به عمرو الدينار ؟ قيل له : بلى كلام العرب إدخال الأَلف واللام في خبر ما والذي إذا كان الخبر عن معهود قد عرفه المخاطب والمخاطب ، بل لا يجوز إذا كان ذلك كذلك إلا بالأَلف واللام ، لأَن الخبر حينئذ خبر عن شيء بعينه معروف عند الفريقين ؛ وإنما يأتي ذلك بغير الأَلف إذا كان الخبر عن مجهول غير معهود ولا مقصود قصد شيء بعينه ، فحينئذ لا تدخل الأَلف واللام في الخبر ، وخبر موسى كان خبرا عن معروف عنده وعند السحرة ، وذلك أنها كانت نسبت ما جاءهم به موسى من الآيات التي جعلها الله علما له على صدقه ونبوته إلى أنه سحر ، فقال لهم موسى : السحر الذي وصفتم به ما جئتكم به من الآيات أيها السحرة ، هو الذي جئتم به أنتم لا ما جئتكم به أنا . ثم أخبرهم أن الله سيبطله . فقال : إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ يقول : سيذهب